Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


البطالة هي الرعب: لبنان نموذجاً


فؤاد مرعي -جريدة السفير - 09-07-2012

إذا كانت الرأسمالية قد استطاعت ان تكفل للمواطن الفرد الكثير من الحقوق، إلا أنها لم تستطع حتى الآن ان تكفل له حق العمل. علما انه واحد من أهم الحقوق على الإطلاق. من دونه يفقد الإنسان مصدر رزقه وحضوره الاجتماعي ودوره في صنع الحياة. فكيف يمارس المواطن العاطل من العمل حرياته الشخصية ويشارك في الحياة العامة وهو يشعر انه إنسان فائض عن الحاجة اقتصاديا؟ ان عدم توفير العمل للأفراد من قبل الدولة والمجتمع هو خرق لحقوق الإنسان. من هذه الزاوية سيتناول هذا البحث مسألة البطالة في لبنان كنموذج صارخ لانتهاك حق العمل في ظل النظام الرأسمالي. وحين نتحدث عن البطالة فنحن نتحدث عن ظاهرة شائعة باتت تؤرق الغالبية الساحقة من سكان الأرض وتجعل حياتهم لا تُطاق. سواء أكانوا عاطلين من العمل، ام مهددين في كل لحظة بالطرد من أعمالهم. وعندما نقول ان «البطالة هي الرعب»، فنحن نستلهم قول سارتر «ان الحرية هي الرعب». ولا مبالغة في إسقاط هذا المعنى النفسي / السوسيولوجي على ظاهرة لم تزل عصيّة على الحل في أرقى الأنظمة الرأسمالية.
وقد راجت في تسعينيات القرن الماضي مقولة نيوليبرالية مفادها أن العاطلين من العمل هم كُسالى النظام الرأسمالي. وان العمال في الحقبة الشيوعية كانوا يتهمون أرباب العمل باستغلالهم، ثم صاروا بعد انهيار الاشتراكية يتوسلونهم لكي يؤمنوا لهم فرص عمل.
وليس أدل على رعب البطالة من مشهد الشبان اليائسين الذين يُضرمون النار في أجسادهم احتجاجا على حرمانهم من حق العمل. وقد أصبح المواطن التونسي محمد البوعزيزي رمزا لهذه الشريحة العالمية من الناس. والمفارقة التي تستحق الدرس هي ان النظام الاشتراكي الذي لم يوفر لمواطنيه الحد الأدنى من الديموقراطية، استطاع عبر آلياته الاقتصادية الموجّهة ان يحل مشكلة البطالة. حتى ان بعض قطاعات العمل في الاتحاد السوفياتي السابق كانت تعاني من نقص في الأيدي العاملة (المصانع، المستشفيات، قطاع المواصلات، قطاع البناء .. إلخ). هذه القطاعات كانت تعمل بنظام الثلاث دورات في الأربع والعشرين ساعة. فهل من المستحيل اجتراح نظام عالمي رأسمالي/ اشتراكي يجمع في هيكليته وقواعد بنائه آليات اشتغال النظامين بحيث يصبح حق العمل متوافرا ومقدسا أسوة بحق الاقتراع وحق إبداء الرأي؟ أم ان الرأسماليين يقدسون فقط الحقوق الديموقراطية التي تسمح لهم بمراكمة ثرواتهم على حساب العدالة الاجتماعية؟
نحن نعيش في عصر التواصل الإلكتروني والحضارة الكونية ذات النزعة الإنسانية (وفقا لدساتير أرقى الدول!)، لكننا ما زلنا عاجزين عن حل مشكلة اقتصادية ـ اجتماعية هامة كالبطالة. علما ان معظم الأبحاث والدراسات التي تصدر عن المؤسسات الدولية تستخدم أرقام البطالة كمؤشرات على تقدم الاقتصاد أو تراجعه في أي بلد من البلدان، لكنها تُغفل لسببٍ من الأسباب الأرقام المتعلقة بالعاملين الآنيين المهددين في كل لحظة بفقدان وظائفهم. ان أعداد هؤلاء تفوق بأضعاف أعداد العاطلين من العمل، وهم يعانون من رهاب الطرد من أعمالهم لدى اي اهتزاز في وضع المؤسسات التي يعملون فيها.
«محميات» لبنانية
لنأخذ لبنان نموذجا مُصغّرا للمجتمع الرأسمالي الحر الذي يصنع رفاهيته عن طريق تصدير خيرة أبنائه للعمل في الخارج وتشغيل من يستقر منهم في الداخل في خدمة طبقة ثرية من رجال المال والأعمال. في هذا المجال فإن لبنان كغيره من الدول يتميّز بوجود مُجتمعَين مُختلِفَين من حيث ظروف الحياة والمعيشة وتقسيم العمل. إنهما مجتمعا الغابة والمحميات.
فماذا تعني المحميات؟ إنها المؤسسات الكبرى التي تؤمّن للمواطنين فرص عمل دائمة وثابتة. أي ان المنتمين الى هذه المؤسسات هم أناس لا يعانون خوف القذف بهم الى الشارع في أي لحظة ليواجهوا العوز والفقر. كما انهم ينعمون بالحد الأدنى من التغطية الصحية والتسهيلات المالية - الائتمانية من قبل البنوك والمؤسسات المصرفية. وقد راجت في لبنان في الفترة الأخيرة شعارات بهذا المعنى تقول «ان معاشك يحكي». أي انك تستطيع الحصول على قرض من أي بنك إذا كنت تنتسب الى إحدى المحميات الثابتة (العامة أو الخاصة). أو إذا كفِلكَ أي شخص ينتسب إليها.
لكن من هم بالضبط المنتمون الى المحميات في لبنان؟ إنهم موظفو الدولة بالدرجة الأولى، وموظفو بعض المؤسسات الخاصة الكبرى (وهي محميات منيعة لكن ليست دائمة). يضاف إليهم ـ بصورة تعسفية مخالفة للطبيعة ـ أعضاء المجالس النيابية الذين تحولوا بدورهم الى موظفين يقبضون معاشات مرتفعة وينعمون بتقاعد مدى الحياة هم وذريتهم. علما أن لديهم جميعا مهناً أخرى يعتاشون منها. لذا ليس من الغريب ان تصطف طوابير الشباب المتخرج من الجامعات أمام مراكز تقديم الطلبات لنيل الوظائف الحكومية، حتى وان كانت تلك الوظائف لا تتناسب مع المستوى العلمي لطالب الوظيفة. فهذه الوظائف هي بالدرجة الأولى بطاقة تأمين ضد البطالة. وهي بالدرجة الثانية بطاقة دخول الى نادي الوظيفة العامة حيث يستفيد الموظف من امتيازات تخوله الحصول على حصص شرعية من أموال الدولة المنهوبة. وهي أخيرا ضمان للشيخوخة في بلد ليس فيه قانون يرعى أحوال المسنين.
لكن هل كل المنتمين الى المحميات راضون عن أوضاعهم المعيشية والمادية؟ ان السواد الأعظم من هؤلاء يعيش حياة كفاف وينتمي الى فئة «أصحاب الدخل المحدود». أي الدخل الصغير الذي يؤمن جزءا من الحاجات الأساسية، لكنه لا يكفي للابتعاد كثيرا عن خط الفقر، على ان يتم التعويض عن هذا النقص بواسطة أعمال إضافية شرعية أو غير شرعية. وهي أعمال لها مبررات مبدئية وأخلاقية في الثقافة اللبنانية.
الى جانب هذه الفئة، الفقيرة والمحظوظة في آن، تضم محميات الدولة فئة قليلة من كبار الموظفين الذين ينعمون بحياة من الترف النسبي والرفاهية. هذه الفئة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالطبقة السياسية الفاسدة، ويتوزع أفرادها على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية والديبلوماسية (مدراء عامون، سفراء، ضباط جيش وقوى أمن، أساتذة جامعات، نواب حاليون وسابقون.. إلخ).
ويكتمل المشهد الاقتصادي الكبير حين تبرز فوق سطح المجتمع أعداد متزايدة من الأشخاص «العائمين» الباحثين عن زورق أو مركب أو سفينة تنقذهم من الغرق. هؤلاء هم العاطلون من العمل الذين لن يتورعوا عن القيام بأي حركة طائشة غير محسوبة من أجل النجاة بأرواحهم.. أو الانتحار.
شريعة الغاب
في البحر الكبير تسود شريعة الغاب. الكبير يأكل الصغير. في لبنان تشير الأرقام الى ان أكثر من ستين في المئة من الشعب اللبناني يعيشون حياة الوحوش في الغابة. فيما تعيش النسبة الباقية منهم في محميات الدولة أو بعض محميات القطاع الخاص المنيعة. وهي معادلة كافية لتأمين استقرار اقتصادي ـ اجتماعي في بلد مضطرب سياسيا. فالأربعون في المئة المحصنون اقتصاديا يغلبون الستين في المئة المتوحشين المحرومين من أي حصانة. وعندما يكون الاقتصاد طفيليا وقائما على القطاعات الريعية تتحول العملية الاقتصادية الى «لعبة كشاتبين». فنجد ان الكشتبان الأول يغطي أموال المغتربين. فيما يغطي الثاني أموال المستثمرين في المصارف والعقارات. أما الثالث فنجد تحته أموال الدول «الصديقة» الداعمة للأحزاب والطوائف اللبنانية. وأخيرا يأتي الكشتبان الرابع ليغطي الأنشطة السياحية والخدماتية، خاصة تلك الملتبسة خدماتها من النواحي القانونية والشرعية.
من هنا نفهم لماذا تدور بشكل متكرر معارك طاحنة بين حيتان وتماسيح تنتمي الى الطبقة السياسية، فنسمع تهديدات متبادلة تتوعد بالكشف عما تحت الكشتبان المختلف عليه. علما ان هؤلاء القادة الغاضبين قد يثيرون احيانا عواصف إعلامية حول الكشتبان الخطأ، بينما اللعبة تدور حول آخر .. من أجل إلهاء الجمهور. لكن في كل مرة تندلع فيها صراعات من هذا النوع تنتهي الأمور بالتهام التماسيح الكبيرة لتلزيمات وعمولات دسمة على حساب خزينة الدولة. ولا ينسى هؤلاء دائما ان يكيلوا المديح لمصرف لبنان الذي يودع فيه اللاعبون الاقتصاديون التغطيات اللازمة التي تجيز لهم المشاركة في اللعبة الرأسمالية (كما يحدث في لعبة البوكر)، بينما يودع فيه اللاعبون السياسيون عشرات الموظفين الذين يؤمنون لهم مراكز نفوذ في واحدة من أهم محميات الدولة.
إن نسبة اللبنانيين الذين يتعاطون العقاقير المهدئة للأعصاب بسبب البطالة والخوف من الطرد هي نسبة كبيرة جدا. وان من بين هؤلاء عددا كبيرا من الشبان والفتيات وربات البيوت والرجال الكبار في السن. وقد تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الانتحار المرتبطة بالبطالة والآثار الناجمة عنها. فالبطالة هي في أحد وجوهها القاسية مرآة للقوى الاجتماعية السافرة على الأرض. فأي درجة من اليأس تلك التي تدفع برب أسرة يعيل أبناءه الى الانتحار؟ أو بشاب في مقتبل العمر لقـتل نفسه حرقا؟
في لبنان، مع كل ضمور للعدالة الاجتماعية التي تُسأل عنها الدولة اولا واخيرا، تنتشر مجموعات من العصابات المؤلفة من شباب عاطلين من العمل. تسرق وتنهب وتقتل وتتعاطى المخدرات. ينجم عن ذلك ان تمتلئ السجون بالموقوفين وتعجز الدولة عن استيعاب هذا العدد الكبير من الشباب المتسرب من المدارس ومن أحياء الفقر البائسة المنتشرة حول العاصمة وفي كل الأرياف اللبنانية.
في الغابة اللبنانية لم يعد التعليم حقا مكتسبا لأبناء الفقراء بعدما أصبحت المنافسة غير متكافئة مع أبناء المحميات الكبرى. موارد العيش في الغابة أصبحت قليلة وموسمية. وساعة الحظ باتت تأتي عندما يدخل فرد من أفراد العائلة الى ملاك الدولة برتبة عنصر في الجيش أو في الدرك عن طريق زعيم طائفته. فهذا الأخير يملك حصرية التوظيف في ملاكات الدولة. كما يملك حصرية اختيار أسماء المرشحين للنيابة على اللائحة/ المحدلة التي يشكلها. أما البطالة والخوف منها فهما أكبر المقترعين في الانتخابات.
لكن هل يعني ذلك أن الوضع في المحميات مستقر؟ إنه أبعد ما يكون عن الاستقرار. فأصحاب الدخل المحدود الفقراء ما انفكوا يضربون ويتظاهرون ويعتصمون احتجاجا على الغلاء الذي يأكل رواتبهم. وهم يدافعون عن مستوى معيشتهم أمام زحف القطاع الرأسمالي المتوحش عليهم وعلى ما تبقى من الاقتصاد اللبناني المنتج (زراعة وصناعة). علما ان ممثلي الرأسمالية اللبنانية لا يرون في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية سوى أجهزة حراسة لنشاطاتهم الاقتصادية الحرة. وهم يعتقدون ان الدولة ما كان بإمكانها ان تدفع رواتب موظفيها لولا الأموال التي تضخها المصارف والقطاع الخاص في السوق المحلية. وهو ما يجعلهم يشعرون بأن الشعب اللبناني مدين لهم برفاهيته وازدهاره. وهذا هو شأن الرأسماليين في كل مكان.
ان نظام المحميات في ظل النظام الرأسـمالي بإمكانه أن يتوسع إذا ما أعيد الاعتــبار لدور الدولة في الاقتصاد بحيث يكفل حق العمل للجميع. لكن الامر يحتاج الى ثورة جديدة تصادر حصة كبيرة من أموال الرأسماليين التي تفيض عن الحد الأعلـى للفرد الواحد، لمصلحة خلق فرص عمل تؤمن الحد الأدنى من الأجور للفقراء. فمساحة الغابة تتقلص بقدر ما تتسع مساحة المحـميات. ودولة الرعـاية التي أسقطها النظام الرأسمالي بإمكانهـا أن تكفل حق العمل لكل الناس. وقد تُشكل الأزمة المالية العالمية الراهنة فرصة مثلى لتجاوز ترف الاحتفاء بمكاسب الديموقراطـية والحـريات الشخــصية وهي قطعا حقوق أساسية لا يمكن التخلي عنها لكي تعود الشعوب الى نقطة الصــراع الأولى حيث السؤال الأساسي هو: من يحق له العمل؟ ومن يعمل عند من؟


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1