Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


التحرش الجنسي بالأطفال خطر يهدد مجتمعنا والقانون اللبناني "الجيد جداً" في طريقه نحو التعديل والمتحرش بالأطفال يعاقب حتماً


مارسيل عيراني - خاص النشرة - 03-07-2012
صحيحٌ أن حياة الإنسان مقدّسة، من لحظتها الأولى حتى لحظة الوداع الأخير، وصحيح أيضاً أن الحياة الكريمة حقّ لكل إنسان، إلاّ أن أكثر اللحظات أهمية وقدسية تبقى مرحلة ما قبل الرشد حين يكون المرء أكثر ضعفاً وحين لا يكون بإمكانه تحقيق ذاته بذاته. هنا، تصبح الحياة أكثر قدسية، والحياة الكريمة أكثر ضرورة... ولا تعود خياراً راشداً بل واجباً وطنياً شاملاً. فالمجتمع الذي لا يحمي أطفاله محكوم عليه بالتآكل والإهتراء، لأنه يهمل شرايينه الحيوية ويمزقها لينزف إلى الأبد... لهذا السبب، تدرج الدول في استراتيجياتها وضمن مشاريعها برامج حماية الأطفال، وتعتبر هذا الأمر من صلب واجباتها لأن الطفولة هي مستقبل الأوطان. فالمخاطر التي تهدد الطفل كثيرة وذلك لحساسية وضعه النفسي ودقّة المرحلة التي يمرّ بها: فمن العنف الكلامي، إلى العنف الجسدي، وشتّى أنواع الإستغلال (عمالة الأطفال، الإتجار بالأطفال، إستغلالهم لغايات مشبوهة... إلخ)، وصولاً إلى التحرش الجنسي بالأطفال، وهذه المخاطر لا تعني طبقة إجتماعية دون أخرى، ولا طائفة دون أخرى، ولا منطقة دون أخرى، بل هي في كل مكان.
من بين هذه المخاطر العدّة، أرادت "النشرة" إلقاء الضوء أولاً على مسألة التحرّش الجنسي بالقاصرين. فقد سمع اللبنانيون في الآونة الأخيرة قصصاً كثيرة في وسائل الإعلام يرويها الأطفال أو ذووهم عن محاولات التعرض لهم جنسياً والتحرش بهم أو حتى اغتصابهم، فأصبحت تطرح لديهم تساؤلات عدّة: ما هو هذا الخطر؟ وهل هو جديد؟ من الذي يقوم به؟ كيف يحاسبه القانون؟ إلى من نلجأ في حال تعرض أولادنا لهذا الأمر؟ كيف نحميهم؟... أسئلة عدّة نسعى في ما سنعرضه تباعاً خلال الفترة المقبلة للردّ عليها، علّنا نساهم بالحدّ من هذه الظاهرة، وبتحطيم المحرّمات التي تحيط بها.

استخدام الطفل لرغبات جنسية... جريمة!

العنف الجنسي تجاه الأطفال "هو شكل من أشكال العنف الجسدي، ويُقصد به استخدام الطفل لإشباع الرغبات الجنسية لشخص آخر"، وفق ما تؤكد المحامية رولا مكرزل والناشطة في مجال حماية الأطفال، مشيرة إلى أنه "بالنسبة للطفل، إن جرم التحرش يكتمل بمجرد توافر العنصر المادي ولا يستوجب ممانعة من قبل القاصر"، فبمجرّد أن الشخص قاصر، أي علاقة تقام معه هي إعتداء ولا يمكن تخفيف العقوبة بحجة أن "الشخص كان راضٍ بذلك".
ووفق دراسة أعدتها منظمة "كفى" بالتعاون مع المجلس الأعلى للطفولة ووزارة الشؤون الإجتماعية ومنظمة غوث الأطفال السويدية، فإنه "ثمة العديد من التعاريف للإساءة الجنسية للطفل، وأكثرها شمولية هو ذلك الوارد في القانون الفيدرالي للوقاية من الإساءة الجنسية للطفل ومعالجة ضحاياه، الذي يصفها بأنها "كل استغلال أو استخدام أو إقناع أو إغراء أو استمالة أو إكراه لأي طفل على المشاركة أو مساعدة أي شخص آخر على المشاركة في أي سلوك جنسي صريح أو التظاهر بسلوك من هذا النوع لهدف تصويره، والاغتصاب أو التحرش أو البغاء أو أي شكل آخر من أشكال الاستغلال الجنسي للطفل أو ممارسة سفاح القربى مع الأطفال".
وبناء على ذلك، يمكن للإساءة الجنسية للطفل أن تكون: جسدية، بما في ذلك اللمس والتقبيل والتحرش والاغتصاب؛ بصرية، مثل عرض الأعضاء التناسلية، عرض أفلام وصور إباحية تظهر أفعالا جنسية؛ شفهية مثل مخاطبة الطفل بطريقة جنسية أو بكلمات ذات إيحاءات ومدلولات جنسية، و/أو استغلالا، مثل التقاط صور أو تصوير الطفل في وضعيات جنسية، وبغاء الأطفال، أو الاتجار بالأطفال.

وتجدر الإشارة إلى أن المفهوم الدولي يعني بالطفل كل شخص لم يتم الثامنة عشرة من عمره، وذلك وفق ما تحدده المادة الأولى من الإتفاقية الدولية الخاصة بالأطفال للعام 1989، وذلك "إذا لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه". والقانون اللبناني ينص على أن الحدث هو "كل شخص لم يتم الثامنة عشرة"، وبالتالي فإن مفهوم الطفولة قانوناً يتوسع ليشمل مرحلتي الطفولة والمراهقة.
وقد كانت المسائل المتعلقة بحماية الطفولة تدخل ضمن مرسوم إشتراعي ولم يكن من قوانين لبنانية تنظم هذا الأمر حتى العام 2002 حين صدر القانون 422 الذي يهدف "لحماية الأحداث المخالفين للقانون" من جهة "والمعرضين للخطر" من جهة أخرى. ويعتبر هذا القانون "الإعتداء الجنسي على الأطفال أو أي عنف جسدي يتجاوز حدود ما يبيحه العرف من ضروب التأديب غير المؤذي" كأمر يهدد الحدث وبالتالي بتطلب حمايته. ويمكن للقاضي في هذه الحالة "ان يتخذ لصالح الحدث المذكور تدابير الحماية أو الحرية المراقبة أو الإصلاح عند الإقتضاء".
إذاً، فإن القانون اللبناني يسعى إلى حماية الطفل، ولكنه يحدد أيضاً العقاب لمن يقوم بجريمة التحرش به.
القاضي خميس: المتحرش بالأطفال يعاقب حتماً
قرار الحماية يتخذه قاضي الأحداث إذا تطلبت الحاجة، ويقضي هذا القرار بإبعاد الطفل عن دائرة الخطر. ويختلف هذا القرار وفق حالة ووضع كل طفل ووفق الجهة المعتدية عليه، وقد يصل في أقصى الأحوال إلى إبعاد الطفل عن عائلته إذا كانت عائلته مصدراً للخطر عليه وإذا كان ليس ممكنا على أي عائلة من الأقارب أن تأخذ الطفل على عاتقها. وهنا يدخل مجال العمل الجمعيات الأهلية وإتحاد حماية الأحداث الذي سنوسّعه في مرحلة لاحقة. أما العقاب، فيلحق بالطبع من قام بأي جريمة من هذا النوع، وفق ما أكده لـ"النشرة"، الرئيس السابق لمحكمة جنح الأحداث في بيروت القاضي فوزي خميس.

وفي الواقع، فإن قانون العقوبات اللبناني يعاقب كل من جامع قاصراً أو ارتكب فعلاً منافياً للحشمة بقاصر بالأشغال الشاقة المؤقتة (ويختلف الوقت بحسب عمر الحدث)، أما الذي يجبر الحدث على إجراء فعل مناف للحشمة بالتهديد على مكابدة أو إجراء فعل مناف للحشمة يعاقب أيضاً بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن 4 سنوات، ويكون الحد الأدنى للعقوبة 6 سنوات إذا لم يتم الحدث 15 سنة.
وأوضح خميس أن "المجرم يعاقب حتماً وما من تسويات في هذا الموضوع"، وهذا ما أكدته أيضاً المحامية مكرزل التي اعتبرت أن المشكلة لا تكمن في القانون بل في عدم التبليغ.
مشاكل عديدة تعرقل ملفات التحرش
في لبنان، بحسب مكرزل، "المشكلة الأساسية المواجهة في المجتمع هي عدم الجراة على التقدم باخبار لعدة أسباب: أولاً، عدم المعرفة بوجود تعدي على القاصر أصلا" خصوصا" اذا كان المعتدي هو أحد الوالدين. ثانياً، جهل القانون (عدم معرفة أن حق التقدم باخبار ممنوح لكل شخص طبيعي أو معنوي ، جهل الأصول المتبعة في هذه الحالة). ثالثاً، الأسباب الاجتماعية (الخوف من الفضيحة ..). رابعاً، الاعتقاد الخاطئ بأن العنف سيتوقف وبأن القاصر "سينسى". خامساً، عدم وجود وعي اجتماعي كاف لتقدير حجم المخاطر".
وإلى جانب هذه المشاكل، هنالك معضلة من نوع آخر تكمن في "كيفية إثبات التحرش الجنسي". وفي هذا الإطار، أوضحت مكرزل أن "الجسم الطبي الذي يكتشف صدفة وجود تعدٍ على الطفل لا يتجرأ، في أغلب الأحيان، على التقدم بالإخبار خوفاً من التحقيقات التي سيتم زجه بها، فيفصل ترك المعتدي طليقاً وعدم التدخل في هذه المسألة". وإلى جانب ذلك، فهنالك صعوبة في إثبات التحرش إذا اقتصر على الملامسة أو الكلام، وفي بعض الأحيان، لا يتمتع الشهود بجرأة البوح بالحقيقة أمام القضاء. وهكذا يبقى التكتّم هو سيّد الموقف، وتبقى حالات عديدة طيّ الكتمان.
وإلى جانب هذا كله، أشارت مصادر مطلعة إلى أن "هناك مشاكل في آليات تطبيق القانون، متعلقة بطريقة التعاطي مع القاصر بعد ان يتم التقدم بالاخبار (وذلك بسبب عدم وجود أشخاص متخصصين للتحقيق مع القاصرين داخل المخافر أو المفارز القضائية) فيشعر الطفل عادة بالذنب والخوف والخجل بعد تعرضه للاعتداء، وهذا الأمر لا يتم اخذه بعين الاعتبار عند التعاطي معه واستجوابه او حتى لدى الكشف عليه من قبل الأطباء الشرعيين. فالطفل بحاجة لطريقة معاملة خاصة تمنحه الطمأنينة خصوصاً بعد تعرضه للعنف. ولاحظت المصادر عدم وجود رغبة لدى بعض التحريين بالعمل فيقومون بـ"ضبضبة" الملفات لتوفير الوقت، موضحة أن "الثغرات كثيرة في كل النظام القائم: من الضابطة العدلية، إلى الدرك، وصولاً إلى قاضي الأحداث الذي يتم تسليمه عدة محاكمات في يوم واحد، والجمعيات غير المتخصصة التي تعمل مع الأطفال وتزيد الطين بلّة وما من رقيب".
هذا لناحية المشاكل القانونية البحتة، وقد يبرز في وقت لاحق مشاكل من نوع آخر أيضاً لن نتوسع بها في ما يلي.
تعديل القانون وارد والمعنيون يطالبون "بتحسين آليات تطبيقه"
في هذا الإطار، شددت مديرة مكتب اتحاد حماية الأحداث في جبل لبنان رلى لبّس على أن "القانون الحالي جيد جداً ولكن المشكلة تكمن في التطبيق"، داعية لتحسين "آليات التطبيق المستخدمة اليوم"، وهذا ما توافق عليه مكرزل أيضاً. إلا أن القاضي خميس نفى هذا الأمر وقال: "خلال تجربتي العملية، لم أجد في القانون الحالي مشاكل مهمة ولكن التطوير يكون إيجابياً".
وعلمت "النشرة" أنه يجري اليوم العمل على تعديل القانون 422 واستحداث بعض المواد، وقد تمت الموافقة على هذا التعديل في لجنة المرأة والطفل النيابية وهو يبحث اليوم في لجنة الإدارة والعدل ويتخذ طريقه باتجاه إقراره في مجلس النواب.
رأت لبّس في مشروع القانون الجديد الذي يتم تحضيره "تعزيزاً للحماية الإجتماعية للطفل"، ولكنها اعتبرته "يهدف لتحجيم الإتحاد الذي هو الجمعية الوحيدة التي تعنى بتطبيق القانون 422 وذلك لمصلحة جهات أخرى".
وفي الواقع، فإذا أقرّت التعديلات، "ستقوم وحدة المرشدين الإجتماعيين في وزارة الشؤون بمساندة الإتحاد في دوره وقد تحلّ جزءاً من مشكلة عدد المرشدين الإجتماعيين القليل التي يعاني منها الإتحاد"، بحسب خميس. وأكد القاضي أن "القانون المعدّل الذي يدرس اليوم في لجنة الإدارة والعدل يقول بإنشاء شرطة للأحداث وخط ساخن ووظيفة مرشدة إجتماعية تابعة لوزارة الشؤون لكي تحلّ بعض المشاكل في الحالات التي لا تستوجب تدخلات قضائية"، وهو "يوسّع مفهوم الخطر ويطوّر بعض الأمور رغم كون القانون الحالي جيد جداً وفعّال".
إلا أن مكرزل طرحت أيضاً "أن يتم وضع آلية تنفيذ دقيقة للنصوص القانونية تكون متماشية مع مستلزمات الواقع الحالي، ودعت لتعزيز المبادرة الفردية والوعي الإجتماعي". فيمكن لأي شخص، أيا كانت هويته، وأي كان عمره أو انتماءه ... أن "يتقدم باخبار لحماية أي قاصر معرض للخطر حتى لو لم تكن له أية مصلحة او أي رابط قانوني بالقاصر، لان هدف القانون هو حماية هذا الأخير (مع ضمان سرية هوية المخبر).
إذاً، فإن القانون اللبناني بالنسبة للمعنيين بهذا الملف "على المستوى المطلوب"، إلا أن رلى لبّس ترى "أننا ما زلنا بعيدين جداً عن سائر دول العالم رغم تقدّمنا على صعيد المنطقة"، وبالتالي، فلا بد من بذل المزيد من الجهود باتجاه تطوير القوانين من جهة، وتطوير النظرة الإجتماعية لهذا الملف من جهة أخرى.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1