Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


قضية التحرّش بالتلامذة في مدرسة عينطورة ... ودفاعاً عن استاذ لم تثبت إدانته


جريدة النهار - 20-06-2012
منذ أكثر من أسبوعين أفلتت قضيّة التمادي الجنسيّ مع بعض التلامذة الأحداث في مدرسة القدّيس يوسف (عينطوره) من حرمة التحقيق القضائيّ، لتصبح مشاعاً إعلامياً يختلط فيها حابل الموضوعيّة بنابل التعرّض المغرض لكرامة الأشخاص. وبعكس ما هو شائع، هناك شخصان، لا شخص واحد، يتعرّضان من دون رادع لهذا الانتهاك العلنيّ والمتكرّر. الأوّل هو المدرّس الشابّ بيار شَلَش، الّذي يُتداول اسمه على الألسنة وفي وسائل الإعلام بأبشع النعوت وأقسى الاتّهامات، قبل أن يلفظ القضاء المختصّ حكمه في الشكاوى ضدّه ومدى فداحتها، وهذا انتهاك لحقّه في "أن تفترض قرينة براءته إلى حين ثبوته مذنباً بموجب القانون"، كما تدوّنه المادّة الحادية عشرة من الإعلان العميم لحقوق الإنسان، وكما يقرّه القانون اللبنانيّ. أمّا الشخص الثاني، والأهمّ، فهو المديرة المرموقة والأستاذة المحترمة جوزيت حدّاد-شلالا، الّتي تتداولها الألسن غير المتبصّرة بملامة خبيثة في الصالونات وفي وسائل الإعلام، وحتّى بين المسؤولين الحكوميّين، تارة بالتصريح وطوراً بالتلميح، لأنّ رئيس معهد القدّيس يوسف في عينطوره، الاب اللعازري انطوان نكد، اتّخذ، في لحظة تَخَلٍّ، قراراً تعسّفياً بصرفها فوراً، من دون تعويض أو مراجعة، لا من مسؤوليّاتها الإداريّة فحسب، بل من وظيفتها كمدرّسة، محاولاً أن يوحي للغير، من دون وجه حقّ، أنّ هذا التدبير متّصل بمسألة التمادي الجنسيّ المنسوب إلى المدرّس الشابّ.
يهمّني، بادئ بدء، أن يعرف القرّاء مدى علاقتي بهاتين القضيّتين وخلفيّة مواقفي المبدئيّة.
أوّلاً، أنا أب له ولدان في المدرسة المذكورة، أحدهما في قسم الأحداث، أي في القسم الّذي حصلت فيه التحرّشات المنسوبة. إذاً أنا معنيّ مباشرة بمعرفة الحقيقة حول صحّة هذه الإساءات، ومدى خطورتها، وكلّ ما يمكن أن يمتّ إلى هذا الموضوع بصلة، على الاقلّ حرصاً على مصلحة ابني. وعليه فلن أرضى، تماماً كما الأولياء الشاكين، إلا بأن تنجلي الحقيقة بالكامل. أكرّر: بالكامل. وإذا كان عقلي مضطراً اليوم لانتظار حكم القضاء، فلقد انفطر قلبي ودميَت روحي لما سمعته من إساءات طالت أولادنا الأطهار، وعبثت ببراءتهم، وزجتهم في صدمة نفسيّة رهيبة قد لا تزول ذيولها أبداً، بقطع النظر عن الحكم القضائيّ النهائيّ حول خطورة هذه الإساءات.
ثانياً، أنا إنسان مارونيّ-كاثوليكيّ ملتزم، وحريص كلّ الحرص على مكانة الكنيسة ومؤسّساتها في لبنان والعالم. فعندي أنّها هي صخرة الخلاص، دائماً وأبداً، من سفاهات العالم الزمنيّ وموبقاته. وقد خدمتُ الكنيسة في لبنان والعالم على أرفع المستويات، وأعتبر نفسي في خطّ الدفاع الأوّل عن كلّ ما يمسّها من افتراء، أمن داخل مؤسّساتها المنظورة أم من الخارج، واعياً تماماً أبعاد الحملة المركَّزة والدائمة على الكنيسة في لبنان والعالم لتقويضها، تحت عناوين تتغيّر بتغيّر الخطط، وآخرها التحرّش الجنسيّ بالأطفال. وأعتبر أنّ المدارس الكاثوليكيّة في لبنان هي من أشرف مؤسّسات الكنيسة، وحصن حقيقي للإيمان القويم والأخلاق السامية في وطننا.
لقد قذفتني "قضيّة عينطوره"، من حيث لا أدري، في صلب مجرياتها، أنا الّذي تربطني بمعظم أطراف النزاع علاقات وطيدة ومتجرّدة. لذا أجد من واجبي، أمام الله، أن أدلي بشهادة منصفة أمام الرأي العامّ، وأفضّل أن أقول أمام الضمير العامّ، بعد كلّ ما وقفتُ عليه من ظلم صارخ وكذب متمادٍ لا يرتدع أمام وقار الحقيقة.
كلّ ما سأورده في هذه الشهادة هو واقعات بحتة وموثّقة. وسأترك لضمير القرّاء والمسؤولين، الكنسيّين منهم والمدنيّين، أن يستخلصوا النتائج والعبر والتدابير لوجه الحقيقة لا غير. وليس في نيتي إطلاقاً أن أمسّ كرامة أحد، فالحقيقة، مهما قست، لا يمكن أن تطلب جرح الكرامات، حتّى إن أماطت اللثام عن المستور.
سأركّز عرضي في ما يأتي على قضيّة المديرة الأستاذة حدّاد-شلالا، لأنّها هي الّتي أصابها الجور الأفضح والأخبث في آن واحد. وسيتبيّن للقارئ أنّها ليست بأيّ حال المديرة المسؤولة عن قسم الأحداث، الّذي كان مسرح الإساءات الجنسيّة المشكوّ منها، لذا فهي لا تتحمّل أي مسؤوليّة إداريّة عمّا حصل. مع ذلك، وخلافاً لكلّ عدالة ومنطق، فقد ضُحّي بها ككبش محرَقة بدم بارد وظلم فاضح، مشفوعَين بإيحاءات حول "تستّرها" أو "تقصيرها"، كما ورد على لسان بعض الوزراء الغافلين عن دقائق هذا الشأن، وذلك في معرض قضيّة لم يكن في وسع المديرة الكريمة، حتّى لو شاءت، أن تمارس حيالها تستّراً أو أن تبدي إزاءها تقصيراً.
السيّدة حدّاد-شلالا من أفضل أساتذة الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع للصفوف النهائيّة في تاريخ معهد القدّيس يوسف (عينطوره)، حيث تعمل منذ أكثر من عشر سنوات. ويشهد المئات من الطالبات والطلاب الّذين تخرّجوا من صفوفها على كفاءتها المهنيّة العالية، وخصوصاً صدقيّتها الأخلاقيّة الممتازة، ناهيك عن شهادة زملائها الناصعة في الجسم التعليميّ التابع للمدرسة، والتقدير الرفيع الّذي تتمتّع به لدى زملائها وأساتذتها في جامعة القدّيس يوسف اليسوعيّة، حيت تتابع التخصّص العالي في مادّة إدارة المدارس.
لم تأت السيّدة حدّاد-شلالا إلى قطاع الإدارة في معهد القدّيس يوسف إلا منذ أقلّ من سنة، وذلك فقط بناء على طلب ملحّ من الأب أنطوان نكد نفسه، رئيس المدرسة، الّذي كان يمحضها خالص الثقة ويتوسّم فيها أرفع الآمال، وهذا مدوَّن وموثَّق. وهكذا فمنذ مطلع العام الدراسيّ الحاليّ 2011-2012، تسلمت السيّدة حدّاد-شلالا إدارة القسم الابتدائيّ، الذي يشمل الصفين الأولين من العمر المدرسيّ، بالتزامن مع بدء تخصّصها الجامعيّ في مادّة إدارة المدارس. وطوال سنتها الإداريّة الاولى هذه لم تسمع سوى الثناء والمديح على إنجازاتها الإداريّة، سواء من الأب الرئيس أو من جانب الأساتذة وأولياء التلامذة.
منذ نحو ثلاثة أسابيع تقدّم أولياء أربعة من تلامذة قسم الأحداث، وهو القسم الذي يلي القسم الابتدائي ولا يقع تحت إدارة السيّدة حدّاد-شلالا، بل تحت إدارة الأستاذ أنطوان بو موسى، بشكوى شفهيّة إلى إدارة المدرسة عن تحرّش جنسيّ بأولادهم على يد أحد أساتذة المدرسة، معلّم مادّة الرسم بيار شلش، الّذي كان تلميذاً سابقاً في معهد القديس يوسف على مدى سنين، ويحظى بثقة الأب نكد، بل بدعمه الماليّ ليتابع تخصّصه الجامعيّ بالتزامن مع ممارسة التعليم في المدرسة. ولأنّ الاستاذ المشكوّ منه يعلّم أيضاً في بعض الصفوف الواقعة في القسم الابتدائيّ، أُعلمت الأستاذة حدّاد-شلالا بهذه الشكوى بصفتها مديرة القسم، وطلب منها حضور الاجتماع الّذي ضمّ أولياء التلامذة الضحايا إلى جانب الأبوين المسؤولين في الإدارة العليا، الكاهنين اللعازريّين شربل خوري وأنطوان فيّاض، ومدير القسم المعنيّ الأستاذ بو موسى، والمعالِجة النفسيّة في المدرسة السيّدة ناي سويدي، ومحامي المدرسة الأستاذ سيرج عويس، فيما تغيّب الأب نكد لوجوده خارج البلاد. في هذا الاجتماع العاصف أعلن ذوو التلامذة أنّهم سيتقدّمون بدعوى جزائيّة ضدّ الأستاذ المعنيّ، وطالبوا بطرده من المدرسة وبزجّه في السجن فوراً.
فوجئت السيّدة حدّاد-شلالا، كغيرها، بهذه الشكوى الأليمة، وحزنت بشدّة لمُصاب الأطفال وذويهم. وكان ردّ الإدارة الأوّليّ على الشكوى المقدَّمة، بقطع النظر عن التمادي الكلاميّ غير اللائق الّذي سمعوه من الأولياء في حقّ الكهنة والإداريّين، أنّ المدرسة ستقوم بكلّ واجباتها لجلاء الحقيقة، وأنّها معنيّة بهذا الأمر إلى أقصى حدّ حرصاً منها على كرامة تلامذتها وشرف المدرسة. وفي معرض الحديث سئل كلّ من الحاضرين باسم الإدارة ما إذا بدرت من الأستاذ شلش تصرّفات سابقة تثير الشبهة، فنفى الجميع هذا الأمر. وكرّرت الإدارة لذوي التلامذة رجاءها بأن يدعوا العدالة تأخذ مجراها، واعدة من جهتها بإجراء كل التحقيقات اللازمة واتّخاذ التدابير الداخليّة المطلوبة بالسرعة القصوى. هذا هو الاجتماع الوحيد الّذي التقت فيه السيّدة حدّاد-شلالا بالأولياء المعنيّين.
لم ترق ردّة الفعل المهنيّة هذه للأطراف الشاكين، إذ كانوا يريدون حرق المراحل على حساب التحقيقات القضائيّة الواجبة وطرد الأستاذ فوراً، من دون أن يدركوا استحالة اتّخاذ تدبير جذريّ كهذا في غياب الأب الرئيس. لكنّ هذا الأخير لم يعد إلى لبنان إلا بعد مضيّ نحو أسبوعين من تبلّغ الشكوى، مع أنّ رجوعه فوراً إلى البلاد لمواجهة الذيول الخطيرة في هذه القضيّة الحسّاسة كانت رغبة ملحّة من بعض إداريّي المدرسة - وهذا أيضاً موثَّق - بغية تجنيب المعهد مضاعفات غير محمودة.
كان أقصى ما استطاعت الإدارة العليا فعله، بانتظار عودة الأب الرئيس، هو المبادرة، بالتنسيق الهاتفيّ معه، إلى الاتّصال بالأستاذ المشكوّ منه ودفع ما تبقّى له من رواتب حتّى نهاية السنة المدرسيّة الحالية في أيلول المقبل، ثمّ الاستحصال منه على براءة ذمّة ماليّة بحيث تصبح المدرسة في حلّ من أيّ ارتباط مهنيّ معه بعد دخوله دائرة الشكّ. ورفضت هيئة الاساتذة في المدرسة، من جهتها، رفع أيّ دعوى على الأستاذ شلش من جانب المدرسة قبل الحصول على معطيات كافية وعودة الأب الرئيس.
في هذه الاثناء سُرّبت القصّة إلى تلفزيون "المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال"، فصوَّرت هذه الأخيرة ما وصلها في هذا الشأن بتضخيم يخلّ بآداب المهنة، وهي آداب تُلزِم باحترام حقّ المشتكى عليه في قرينة البراءة حتّى ثبوت التهمة. وهكذا أصبح بيار شلش فوراً، ومنذ الخبر الإعلاميّ الأوّل الّذي بثّته المحطّة، "وحشاً بهيئة أستاذ"، كما تمّ زورًا اتّهام إدارة "إحدى المدارس الكاثوليكيّة في جبل لبنان بلفلفة القضيّة". وهكذا تعرّضت سمعة كل المدارس الكاثوليكيّة للأذى الشديد، قبل أن تسرّب المحطّة، في مرحلة لاحقة، اسم المدرسة "الملفلِفة".
من الأكيد أنّ إدارة المدرسة لم تكن إطلاقاً في وارد اللفلفة. على العكس تماماً. لقد تصرّفت بضمير مهنيّ لا غبار عليه، وعقدت الاجتماع تلو الآخر لتناول الشكوى من مختلف جوانبها. وفي أحد هذه الاجتماعات لفتت المعالِجة النفسيّة في المدرسة، السيّدة سويدي، إلى أن اثنتين من التلميذات الاربع موضوع الشكوى كانتا أظهرتا منذ أشهر عديدة عوارض هلوسة أوديبية (fantasme oedipien) لدى إحداهنّ، وتخريف (fabulation) إيروتيكيّ لدى الأخرى، وأنّ هذا الأمر موثّق بالكامل بناء على استجواب مستقل من جانب اختصاصيتين نفسيتين في المدرسة (السيدة سويدي والسيدة لينا كيال). لذا نصحت المعالِجة النفسيّة بتوخّي الدقة والشموليّة في الشكوى لتمييز الخيط الابيض من الخيط الأسود، دون التسرّع في إصدار الأحكام المسبقة. ولم تشأ الإدارة بالطبع ان تستعمل هذه المعلومات الحساسة لردّ الافتراءات عنها، وذلك حرصاً منها على كرامة الأسرتين المذكورتين.
لكنّ أولياء الأطفال المتضررين تابعوا بضغوطهم من دون كلل كي تتدحرج بعض الرؤوس. وقد تدخّل رئيس لجنة أولياء التلامذة في المدرسة، السيّد أنطوان شدياق، داعماً طلبهم هذا، ولكن بطريقة تحامليّة، إذ راح يركّز على نقطة لا علاقة لها بموضوع الشكوى لا من قريب ولا من بعيد. ومفاد هذه النقطة أنّ الأستاذ شلش، المشكوك بأمره، هو من شلّة أصدقاء الابنة الكبرى للأستاذة حدّاد - شلالا، وهي طالبة جامعيّة في العشرين من عمرها وتعود صداقتها مع الأستاذ شلش إلى أيام الزمالة المدرسيّة المشتركة في مدرسة عينطورة. عندئذ تحوّلت القضيّة إلى منحى تشهيريّ رخيص وهروب إلى الأمام، وضاع بهاء الحقيقة بين صراخ الفجور ودموع التماسيح، وراح المشتكون يشيّعون ضدّ السيّدة حدّاد-شلالا اتّهامات مغرضة لا تمتّ إلى الواقع بأيّة صلة، خالطين ما بين الشخصيّ والمهنيّ. ولكنّ السيّدة النبيلة ترفّعت بصمت عن هذا التجريح المفاجئ توخّياً للحقيقة في القضيّة الأهمّ، قضيّة المساس بكرامة الأولاد.
ثمّ تفاقمت موجة الهياج الهستيريّ بسحر ساحر ماهر، متعرضة للمدرسة بقسوة في بعض منابر الإعلام وعن طريق الألسن المغرضة من ضمن حملة بتنا معتادين عليها جميعاً، وهي حملة لا همّ لها سوى تقويض المؤسسات الكاثوليكيّة وسمعتها، في لبنان أو في غيره، بمناسبة وبغير مناسبة. ووسط هذا البخار الغوغائيّ أصبح الكلّ حريصاً على كرامة الأولاد أكثر من إدارة المدرسة ذاتها. ثمّ اتّخذ رئيس المجلس الأعلى للطفولة، الوزير وائل أبو فاعور، صفة الإدّعاء باسم الحقّ العامّ من خارج المدرسة ودون انتظار عودة الأب الرئيس. لذا وجد الأستاذ شلش نفسه موضوعاً في عهدة شرطة الآداب وخاضعًا لتحقيقات أوّليّة وهو بعد على سريره في المستشفى إثر تعرّضه لحادث سيّارة أليم كاد يودي بحياته، فيما الأبواق الفاجرة لا تكفّ عن التحامل على الرجل حتّى في عزّ هذه المأساة الجديدة الّتي ضربته، مدّعية أنّه حاول الانتحار.
بعد مضيّ نحو اسبوعين على انفجار الشكوى عاد الأب نكد إلى البلاد عصر الأحد 3 حزيران، بعدما صار الأستاذ شلش في ذمّة التحقيق. وهجم القاصي والداني على الأب الرئيس يضغط عليه لاتّخاذ تدابير إضافيّة حازمة في أجواء تهويليّة ودراماتيكيّة راحت تزيد، اعتباطاً، من عدد الأطفال المتحرّش بهم لتصل به إلى أكثر من عشرين، فضلاً عن تضخيم مقصود يفيد إمكان حصول حالات اغتصاب. في هذه الأجواء خانت الأبَ الرئيس، على غير عادته، روحُ الحكمة والرويّة وبعد النظر، فاختار الهروب إلى الأمام، ورفع بدوره، بعد مرور اقلّ من 24 ساعة على وصوله، دعوى على الاستاذ باسم المدرسة استناداً إلى ما سمعه من ذوي التلامذة الشاكين، ودون الركون إلى تحقيق نزيه ومحترف، بعكس ما أوردت إحدى المذكّرات الّتي سارع إلى إرسالها لنا كأولياء. ثمّ اتّخذ قراراً جائراً يصرخ ظلمه إلى السماء، ووضعه موضع التنفيذ بإخراج في غاية البشاعة، موقعاً المدرسة في ورطة معنويّة أشدّ وقعاً بكثير من ورطة الإساءة إلى الأولاد.
فيوم الثلثاء 5 حزيران 2012 تسلّمت السيّدة جوزيت حدّاد-شلالا، فيما كانت في مكتبها في المدرسة، بلاغاً قانونيّاً مصدره محامي المدرسة وتاريخه 4 حزيران، أي بعد مضيّ أقلّ من يوم على عودة الأب الرئيس، وفيه إعلام بصرفها فورياً من المدرسة، إن كمديرة أو كمدرّسة، وذلك دون تعويضات، ودون أيّ إنذار سابق، ودون استشارة أحد من الإدارة العليا، ودون السماح للمطرودة بالمراجعة. هكذا، وبكلّ بساطة، رميت إحدى أشرف المثقّفات والمسؤولات في بلادي خارج مركز عملها كالجيفة. أمّا أسباب الصرف، وعلى عكس ما راح رئيس المدرسة ومحاميها ورئيس لجنة أولياء التلامذة يسوّقونه في جولاتهم التودّدية على بعض المسؤولين الحكوميّين، فلا علاقة لها "بطرد... من توجد حوله شبهة بأنّه تستّر بشكل مقصود أو غير مقصود عن الموضوع"، كما صرّح وزير الشؤون الاجتماعيّة، أو بطرد المسؤول المعنيّ الّذي تبيّن تقصيره في الإدارة، كما صرّح وزير التربية. لقد دارت أسباب الصرف كلّها حول افتراء وحيد لا يمكن لعاقل أن يسلّم بأنّه حجّة كافية للصرف (حتّى لو صحّ)، ومؤداه أنّ الأستاذة حدّاد-شلالا قد مسّت شعور أولياء التلامذة لأنّها "نصّبت نفسها وكيلة دفاع" عن الأستاذ المشكوّ منه وبرّأت ساحته مسبقاً. أمّا الحقيقة حول هذه النقطة فهي أنّ الأستاذة المرموقة، مع غيرها من أهل الإدارة الحاضرين في الاجتماع الوحيد الّذي جمعهم بالأولياء والّذي ذكرناه سابقاً، لم تقل سوى ما قاله الآخرون، أي ضرورة انتظار عودة الرئيس قبل اتّخاذ مطلق تدبير، وحقّ الأستاذ بقرينة البراءة حتّى تثبت إدانته على يد السلطات القضائيّة المختصّة وحدها. ولست أدري ما إذا كان تعبيرها الواضح عن هذين الأمرين هو الذي جعل أولياء التلامذة يتالّبون عليها بنوع خاصّ، أم أنّ هناك منذ البدء "قطبة مخفيّة" كانت تُحضَّر للإضرار بها.
لم يستطع الأب نكد، مع الأسف، أن يرقى إلى مستوى التقاليد المسيحيّة والمهنيّة العريقة التي ميزت معهد القدّيس يوسف، ولا حتّى إلى مستوى الحكمة والتجرّد اللذين كان قد أثبتهما هو بنفسه في مناسبات حساسة سابقة من رئاسته. لقد قرّر، لسبب لا يعرفه سوى الله، خلق "كبش محرقة" من خارج دائرة المسؤولين المعنيّين، وذلك على اساس حجّة أوهى من خيط عنكبوت وأرخص من جناح بعوضة، تاركًا الساحة حرّة للنيات المغرضة، كي تنسج على هواها وتفبرك تهم "التستير" و"التقصير" على خلفيّة صداقة بريئة ربطت بين الأستاذ المشكوّ منه وابنة المديرة المطرودة. وفي ذلك، أقولها بألم شديد، قمّة الافتراء، والتنصّل من المسؤوليّة، والخضوع للابتزاز، وعدم التفطّن للحملة المغرضة على المؤسّسات الكنسيّة، وازدراء المبادئ المسيحيّة، وانتهاك قوانين العمل.
هذه هي الحقائق تماماً، بلا زيادة ولا نقصان. وهي الآن بين أيدي المراجع الكنسيّة لرفع الظلم المشين الذي حلّ بالأستاذة حدّاد-شلالا، تلك التي لا يختلف اثنان على كفاءتها ونزاهتها الناصعتين. كذلك أُنجِزت كل تحضيرات الإدّعاء القانونيّ ضدّ إجراء الصرف التعسّفيّ والتعرّض الغاشم لشرف الأستاذة.
في 9 حزيران، وقبل حفل التخرجّ في مدرسة عينطوره بساعتين، تلقّت الأستاذة حدّاد-شلالا زيارة تضامنيّة مؤثّرة من 44 تلميذاً من الصفوف النهائيّة، تنشّأوا على يديها وجاءوا مع باقة ضخمة من الورد ليقولوا لها إنّها "صفوة الأساتذة" (la crème des professeurs)، وإنّهم يعتزمون القول لمن يهمّهم الأمر، في كلمتهم أمام الحشد في حفل التخرّج: "إذا اعتقدتم أنّ معهد عينطوره من دون مدام شلالا سيبقى كما هو، فإنّ الأجيال الآتية من التلامذة ستثبت لكم العكس". كما تلقّت الأستاذة المرموقة، في اليوم نفسه، زيارة تضامنيّة من أربعة أعضاء يمثّلون رابطة الأساتذة في المعهد، بينهم رئيسها.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1